الشيخ أحمد فريد المزيدي
298
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
لا ينبغي للمريد أن يعتقد في المشايخ العصمة سأل الحكيمي الجنيد عن حال واحد من المشايخ : هل يجوز الاقتداء به أم لا ؟ فقال الجنيد : إن تجد منه الاجتناب وطلب القوت الحلال فيجوز الاقتداء به إلا فاتركه « 1 » . من أصعب الآفات في هذه الطريقة صحبة الأحداث قال الجنيد بن محمد : جاء رجل إلى أحمد بن حنبل معه غلام أمرد حسن الوجه فقال له : من هذا الفتى ؟ فقال الرجل : ابني . فقال : لا تجيء به معك مرة أخرى . فلامه بعض أصحابه في ذلك ، فقال الإمام أحمد : على هذا رأينا أشياخنا ، وبه أخبرونا عن أسلافهم « 2 » . باب الدعاء والدعوات قال أبو عبد اللّه المكانسي : كنت عند الجنيد ، فأتت امرأة إليه ، وقالت : ادع اللّه أن يردّ علي ابني ؛ فإن ابنا لي ضاع ، فقال لها : اذهبي واصبري . فمضت ، ثم عادت فقالت له مثل ذلك ، فقال لها الجنيد : اذهبي واصبري . فمضت ، ثم عادت ففعلت مثل ذلك مرات ، والجنيد يقول لها : اصبري . فقالت له : عيل صبري ، ولم يبق لي طاقة عليه ، فادع لي . فقال لها الجنيد : إن كان الأمر كما قلت فاذهبي فقد رجع ابنك . فمضت فوجدته ، ثم عادت تشكر له ، فقيل للجنيد : بم عرفت ذلك ؟ . فقال : قال اللّه تعالى : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [ النمل : 62 ] بم عرفت ذلك ؟ « 3 » سئل الجنيد عن هذه الآية فَاسْتَجَبْنا لَهُ [ الأنبياء : 76 ] فقال : عرّفه فاقة السؤال ليمنّ عليه بكرم النّوال « 4 » . دعاء إلهي ، وسيدي ، ومولاي ، من أحسن منك حكما لمن أيقن بك ؟ ومن أوسع منك رحمة لمن اتقاك وقصدك ؟ ومن أسرع منك عطفا ورأفة لمن أرادك وأقبل على طاعتك ؟ فكلهم في نعمائك يتقلبون ، ولك بفضلك عليهم يعبدون ، سرت همومهم بك إليك ،
--> ( 1 ) انظر : نفحات الأنس للجامي ( ص 151 ) . ( 2 ) انظر : كتب ورسائل وفتاوى ( 15 / 376 ) . ( 3 ) انظر : الرسالة القشيرية ( ص 204 ) ، والمعزى في مناقب أبي يعزى للتادلي ( بتحقيقنا ) . ( 4 ) قال الآلوسي : والإجابة تتعقب الدعاء لا الاشتكاء فاستحسنوه وارتضوه . وانظر : روح المعاني ( 11 / 326 ) .